أحمد مصطفى المراغي
144
تفسير المراغي
وقد كان موسى يرى أن مفارقة هارون لهم ، وخروجه من بينهم بعد تلك النصائح القولية يكون أزجر لهم من الاقتصار على النصائح وحدها ، لما في ذلك من الدلالة على شديد الغضب والإنكار عليهم ، فإن مفارقة الرئيس المحبوب لديهم من أجل أمر مبغوض لديهم مما تشق على النفوس ، وتقتضى ترك ذلك الأمر الذي يكرهه . ( أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ) فيما قدمت إليك من قولي : « اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ » . فلما أقام بينهم ولم يبالغ في الإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة امره . فترفّق هارون في خطاب موسى استعطافا له وترقيقا لقلبه إذ أضافه إلى الأمّ مع كونه أخاه لأبيه وأمه . ( قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ) أي فامتلأ موسى غضبا مما رأى ، وألقى ما في يده من الألواح الإلهية ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه فقال : يا بن أمي لا تأخذ بشعر لحيتي ولا بشعر رأسي . وقد روى أن موسى أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله ، وكان عليه السلام حديدا غضوبا للّه تعالى ، وقد شاهد ما شاهد ، وغلب على ظنه تقصير هارون عليه السلام ففعل ما فعل . قال صاحب الكشاف : كان موسى عليه السلام رجلا حديدا مجبولا على الحدة والخشونة والتصلب في كل شئ ، شديد الغضب للّه ولدينه ، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون اللّه بعد ما رأوا من الآيات العظام ، أن ألقى ألواح التوراة ، لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة ، غضبا للّه واستنكافا وحميّة ، وعنّف بأخيه وخليفته على قومه ، فأقبل عليه إقبال العدو المكاشف ، قابضا على شعر رأسه ( وكان أفرع ) وعلى شعر وجهه يجره إليه اه . ثم بين علة هذا النهى بأنى لست عاصيا أمرك ولا مقصرا في المصلحة ، بل : ( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) أي إني خشيت لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا ، فتريثت حتى تكون أنت المتدارك ذلك بنفسك ،